رؤية شرعية حول الانتخابات الرئاسية – بقلم: د. مسعود صبري


لا شك أن مشاركة المواطن في أي انتخابات هو نوع من الاستحقاق الذي كفله له القانون، وهو ما يندرج تحت ما يعرف بـ "المصالح المرسلة" في الشريعة، وهو مشروع من حيث الأصل، حسب اللوائح والنظم الموجودة بالدولة التي يقيم بها المواطن. والمشاركة نوع من الفعل الإيجابي للمواطن في بلده، لأن الانتخابات في مجملها إحدى وسائل تفعيل مبدأ " الشورى" الذي أمرنا به كما في قوله تعالى في وصف المؤمنين: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38]. ولكن المشاركة في الانتخابات قد تعتريها الأحكام الفقهية الخمسة، فقد تكون المشاركة واجبة ويأثم تارك المشاركة، وقد تكون حراما فيأثم المشارك، وهكذا. والضابط في الحكم على المشاركة في الانتخابات هو ميزان المصالح والمفاسد، فإن كانت في المشاركة مصلحة غالبة ولو وجدت فيها مفسدة أقل، ترجح القول بالمشاركة، وإن كان في المشاركة مفسدة غالبة ولو كان بها مصلحة أقل، فالمشاركة ممنوعة. هذا من حيث أصل المشاركة في الانتخابات بشكل عام. أما المشاركة في الانتخابات الرئاسية بمصر لعام 2014م والتي جاءت بعد انقلاب عسكري وما تبعه من أحداث، فالذي يغلب على الظن أن خروج المصريين لهذه الانتخابات ممنوعة شرعا، ويأثم من شارك فيها. والأدلة على ذلك ما يلي: أولا- أن هذه الانتخابات تعقد في ظل الانقلاب العسكري، وهذا النظام الحالي ليس له شرعية بناء على قواعد الشريعة، بل هو باطل أيضا دستوريا وقانونيا، وقد تقرر في قواعد الفقهاء أن "ما بني على باطل فهو باطل"، وبالتالي فكل ما يصدر عن هذا النظام المغتصب للسلطة الشرعية فهو باطل لا يجوز المشاركة فيه، ويحرم عونه. ثانيا- أنه بناء على المعطيات السياسية والاجتماعية فإن الأجواء كلها مهيأة للمرشح عبد الفتاح السيسي أن يكون رئيسا للجمهورية، وهو مرشح المجلس العسكري، وكل إمكانات الدولة المصرية في ظل الانقلاب مسخرة له، والخروج لانتخابه، أو لمجرد الخروج للمشاركة يعد إعانة على المعصية، خاصة أن الخروج والتصويت بعدم ترشحه لن يغير من النتيجة المعروفة سلفا، فيكون عونه من الخيانة للأمانة التي حرمها الله تعالى في كتابه في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [الأنفال: 27]، خاصة مع وجود بيعة في أعناق الشعب المصري لأول رئيس مدني منتخب في تاريخ مصر. ثالثا- أن الدولة في ظل الحكم العسكري سواء الذي عقب ثورة 25 يناير، أو بعد الانقلاب على الرئيس الشرعي لم تشهد الدولة رعاية لمصالح الشعب، لا فيما يتعلق بحفظ دينهم، ولا بحفظ أنفسهم ولا بحفظ أموالهم، وكلها مقاصد شرعية تقع في رتبة الضرورات التي أوجب الشارع الحفاظ عليها، فقد قتلت سلطة الانقلاب الآلاف من الأبرياء والمظلومين، وجرحت آلافا مثلهم، بخلاف الآلاف الذين يقبعون في سجون الانقلاب العسكري، ويحاكمون زورا وبهتانا، والخروج للانتخابات التي سينجح فيها عبد الفتاح السيسي معناها تثبيت الظلم والطغيان والمساعدة على القتل والحبس والاعتقال والتشريد ومصادرة الأموال بغير حق، وكلها محرمات في كل الشرائع بل محرمة في الأعراف وتحرمها عقول البشر، وكما تقرر في قواعد الفقه" الإعلان على الحرام حرام". وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الخيانة والظلم، فقد ورد عن ابن عمر -رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والخيانة فإنها بئست البطانة، وإياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، وإياكم والشح فإنه أهلك من كان قبلكم قطعوا به أرحامهم وسفكوا به دماءهم". الترغيب والترهيب لقوام السنة (3/ 71) وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من أن يولى الظالم على الناس؛ فعن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن قوما كانوا أهل ضعف ومسكنة، قاتلهم أهل تجبر وعدد، فأظهر الله أهل الضعف عليهم، فعمدوا إلى عدوهم فاستعملوهم، وسلطوهم، فأسخطوا الله عليهم إلى يوم يلقونه. غاية المقصد في زوائد المسند (2/ 321) وعن ثوبان، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين. غاية المقصد في زوائد المسند (2/ 323) وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من عصابة الضلال من الحكام الذين يظلمون الناس، ومن القضاة الذين يخونون شرف المهنة، والفقهاء والمفتين الذين يكذبون على الله تعالى، فيضلون الناس، فحذر عونهم والعمل معهم، فعن أبي هريرة قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: " «يكون في آخر الزمان أمراء ظلمة ووزراء فسقة وقضاة خونة وفقهاء كذبة، فمن أدرك ذلك الزمان منكم فلا يكونن لهم جابيا ولا عريفا ولا شرطيا» ". مجمع الزوائد ومنبع الفوائد (5/ 233)، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يصف حال سلطة الانقلاب من الحكام والقضاة والمفتين الذين باعوا دينهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون. رابعا- أن الشروط والمؤهلات لتولي منصب رئيس الدولة لا تتوافر فيمن تقدم لتولي المنصب، وقد تحدث العلماء عن ذلك من أهمها أن يكون قادرا على تولي المنصب، وأن يكون ذا كفاءة في إدارة البلاد، وأن يكون ذا دين وخلق، يدفعه إلى خشية الله وتقواه في الشعب الذي سيحكمه، وأن يكون أمينا على ما سيتولاه، وإن أشخاصا مارسوا القتل العمد والتعذيب والاعتقال وأخذ أموال الناس بالباطل، أو من شارك في كل تلك الجرائم لهو حري ألا يكون أهلا للترشح. وقد بين الله تعالى مؤهلات تولي المسئولية في قوله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]، كما أن الأوجب أن يختار الناس من هو أرضى لله، وأقوى على المنصب، فمن اختار الخائن القاتل لحكم المسلمين فقد خان الله تعالى ورسوله، كما ورد في الحديث الصحيح: "من استعمل رجلا على عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضى لله منه، فقد خان الله، ورسوله، وجماعة المسلمين". وإن قيل: إن الانتخابات الرئاسية ستجرى وأن ترك الذهاب إلى الصناديق سيتيح الفرصة للانقلابيين أن يزوروا الانتخابات، فمن باب أولى أن يذهب الناس إلى صناديق الانتخاب ويعلنوا عن رفضهم للسيسي أو أن يبطلوا أصواتهم. والجواب عن هذا بما يلي: أن الاشتراك في الانتخابات وإن كان ظاهره كما يقال من أنه يمنع التزوير، فإنه يعطي شرعية لسلطة الانقلاب، وكأنه اعتراف بها. كما أن ذهاب الناس لن يوقف التزوير، فلا شك أنه سيكون هناك عزوف عن المشاركة بنسبة غير قليلة، وهذه الأصوات ستزور، سواء ذهب الناس أم لم يذهبوا، بل لو خرج كل الناس وصوتوا ببطلان الأصوات لزورت الانتخابات، ولكن تصوير اللجان الانتخابية خاوية وعدم الإقبال يحرج سلطة الانقلاب ويؤكد عدم شرعيتها. ثم إن القول بمنع المشاركة في الانتخابات الرئاسية القادمة بمصر ليس المقصود منه منع مرشح العسكر من أن يكون رئيسا للدولة، لكن الأهم هو وصف العمل بالممنوع شرعا، حتى لا يأثم المشترك فيه، فليست كل المناهي الشرعية التي نهى الله تعالى عنها منعت الناس من إتيانها، فمازال الناس يرتكبون المحرمات التي حرمها الله، لكن ارتكابها لم ينف عنها الوصف بكونها حراما، ولكنه وجوب أن ينأى المسلم بنفسه عن المشاركة في تلك الجريمة، فبيان الحكم الشرعي شيء، وحصول المنهي عنه شيء آخر. على أنه يبقى أن الحكم الشرعي هنا خاص بتلك الانتخابات دون غيرها، وأن هذا استثناء من أصل المسألة، لا يجوز فيه التعميم، بل لكل حادثة حكم شرعي خاص بها.

Add a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *