في فهم قطر – د. أحمد عبد الحميد


قطر شبه جزيرة، لو قامت حرب بين إيران و السعودية، و قررت إيران أن تقذف أول صاروخ على السعودية ربما يقع خطئا على قطر، فيزيلها من على الخريطة. استقلت قطر عن الإمارات، أو خرجت من حلفها معهم و البحرين عام 1971، و بالتبعية بشكل أو بآخر أيضا لا تحظى بدعم "الإمارات العربية المتحدة". بحسب الموقع الجغرافي "الضعيف"، و تعداد سكان أصلي لا يزيد عن سكان فندق كبير الحجم بوصف الغربيين، و كونها أكبر مصدر للغاز المسال في العالم، محاطة بعمالقة مثل إيران و السعودية تصبح دوما في وضع "ضعيف" جيو-سياسيا، و مطمع طبيعي للجميع. مع فهم أن العالم تغير من بعد الحرب العالمية الثانية، و تحول فكرة "الاحتلال" أو السيطرة من الفكر الانجليزي: فرض الحكم بالقوة، أو السيطرة بالجيوش. للفكرة الأمريكية: السيطرة بالاقتصاد. و بتحويل دوائر الصراع الجيو-سياسي لدوائر صراع جيو-اقتصادي: اي ميزة نسبية اقتصادية للدولة ولو خارج أراضيها كما تفعل الصين بتوطين شركاتها الحكومية الرسمية في خارج أراضيها… بهذا الفهم لتغير الدنيا غيرت قطر استراتيجية دفاعها عن نفسها من الدفاع بالسلاح… للدفاع بالاقتصاد. يعني، حمد بن خليفة آل ثاني، أو العائلة الملكية، تملك 17% من فولكس فاجن، و 7 من باركلايز (بنك شهير)، و 25% من سانسبيري ( شبكة سوبرماركت انجليزي شهير)، و هارودز… و أملاك اقتصادية غريبة ليست باسمهم الشخصي و إنما باسم "أمانة الأمير" لو صحت الترجمة: Prince's trust وهي بحسب ما أعرف جماعة من رجال الأعمال القطريين تتاجر في مشاريع ال 9 أصفار فقط. مليارات من الدولارات، تتحرك تحت "جهاز قطر للاستثمار" في 2012 مثلا استحوذت على كريدت سويس -لندن، أو 6% من أشهر البنوك السويسرية في العالم. و تم ضخ أكثر من 4 مليار دولار في فرنسا مثلا في العقار، و اشتروا فريق باريس سان جيرمان الشهير و وصل للمركز الثالث هذا العام من حيث العائد في أكبر أندية العالم… يعني عملية "الاستحواذ" أيضا تدر دخلا على القطريين بشكل ذكي. و بهذا الفهم، فإن قطر تلك الدولة "المفعوصة" أصبح لها أيادي اقتصادية داخل كل تلك الدول. أيادي بإمكانها أن تضغط بها على دول في حجم فرنسا و إنجلترا و سويسرا و أمريكا نفسها. و مع تلك الأوراق الاقتصادية، قررت حكومتها تأمين جانبها من الأصدقاء المتوحشين السعودية و إيران بالسماح بقاعدة عسكرية أمريكية على أرض قطر. بحسب ما كتب في كتاب "دولة الحرب" لجيمس رايسن، فإن عمليات الاغتيال في العراق و اليمن يتم إدارتها من تلك القاعدة العسكرية بقطر. طائرات بدون طيار، و قاعدة التحكم في قطر. تماما كممالك الخليج قطر دولة "مُحتلة" على الأرض. و لكنها تخرج الذراع الاقتصادية لها في الخارج…. حتى كتبت الديلي-ميل: كيف اشترت قطر انجلترا؟! ولأن الذراع الاقتصادية لا تكفي أيضا وحدها، فإن شبه الجزيرة القطرية، أطلقت شبكة الجزيرة الإعلامية و دعمتها، و اشترت كذلك قنوات تلفزيون في فرنسا. و بالطبع لم يسلم مكتب الجزيرة من القصف الأمريكي المباشر في حرب العراق! حيث أن مراسلي الجزيرة كانوا المراسلين الوحيدين الذين لا يرافقون الجنود الأمريكان … يعني ينقلون الصورة من الضفة الأخرى. و يذكر أن ديك تشيني، طلب من وضاح خنفر مدير شبكة الجزيرة آن ذاك أن تتوقف الجزيرة عن البث، و إلا فإنه سيمحو قطر كلها من على الخريطة. فأجابه وضاح: Fuck off وعلى كل حال أغلقت مكاتب الجزيرة في العراق، باتفاق قطري أمريكي سياسي، و بذلك تم الضرب بشكل مباشر على يد القطريين. و ربما بعدها بدأ القطريين في التفكير في "غزو" أمريكا فكريا. ربما رؤية وضاح خنفر، لا أعرف مصدر الفكرة، المهم اليوم الجزيرة ذراع قطر الإعلامي يتم بثها بالإنجليزية داخل أمريكا. بخلاف القناة العربية، و التركية… يعني بحسبة بسيطة تفهم أن قطر دولة صغيرة حقا، ولكن لديها ما لا تملكه أي دولة عربية: الرؤية. و لديها تغطية إعلامية لبلايين البشر الآن. و بذلك تكون قطر قد أعطت للأمريكان قاعدة عسكرية لتحمي نفسها ربما من السعودية و إيران، تكون امتدت أذرعها للغرب بكيانات اقتصادية و شبكة إعلامية. ولكن مع ذلك تفشل في لعب دور سياسي فاعل يناسب طموح تلك الدولة "الفسوة" تعمل إيه؟ أخذت قطر موقف "سلبي" من كل القضايا و النزاعات. ربما الحالة المصرية مؤخرا مجرد استثناء. و على ذلك فإن المكتب الوحيد لحركة طالبان موجود أين؟ في قطر. قطر أعطت تلك المساحة البسيطة للحركات المختلفة بالتواجد و التمثيل السياسي. و بالتبعية اكتسبت أهمية "سياسية" بلعبها دوما دور الوسيط. وصل الأمر أنه بعد الحرب على غزة، و بحسب المشاكل الثائرة بين مصر و قطر، فإن الغاز القطري وصل غزة عن طريق الأراضي الإسرائيلية لا الأراضي المصرية التي كانت مشغولة بتصدير الغاز لإسرائيل نفسها! قطر تبقي على العلاقات حتى مع الأعداء. و على ذلك فإن كل تواصل بين أمريكا و طالبان مثلا يتم برعاية قطرية… مؤتمر جنوب و شمال السودان تم برعاية قطرية. قطر فعلا دولة صغيرة، ولكنها تملك "استراتيجية" مكنتها من لعب دور لم يلعبه غيرها. تشابك العلاقات، النزاع أعلاه لا يجوز أبدا تبسيطه في ثنائية "مع وضد". لأن كل خطوة للأمام في اتجاه ما معها أيضا خطوتين في اتجاه مغاير تماما… وكأنهم يرقصون التانجو… خطوة مع و خطوتين ضد. و في خضم البحث عن شريك "فكري" ربما لم يجد القطريين أفضل من جماعة الإخوان المسلمين. إذ تبنت السعودية الفكر "الوهابي" أو السلفي، الذي مكنها أولا من إعلان استقلالها عن الدولة العثمانية سياسيا، ثم التمدد خارج الحدود السعودية "فكريا". ربما حالة التزاوج بين القطريين و الإخوان فكريا أيضا ليست دائمة… فيما ألاحظ منذ عامين و هناك عملية "تقطير" أي استبدال الجميع بمواطنين قطريين، و صد لتمدد الإخوان أنفسهم داخل قطر، بإيعاذ علماني مباشر من عزمي بشارة(العلماني)… أو على الأقل هذا ما يتم الترويج له في أروقة الدوحة. على كل حال، أكبر المراكز الفكرية الاستراتيجية حاليا في الدوحة، الدوحة على صغرها مركز جاذب لأصحاب الفكر ولو كان متضادا. و مشاهد حضور زوجة الأمير مثلا لمحاضرات طارق رمضان، أو غيره من المفكرين… تعطي حالة فريدة لم نر مثلها إلا في تونس ما بعد الثورة. بمراجعة كتاب د. معتز عبد الفتاح و بحثه عن نسب توزيع الفكر الإسلامي التقدمي أو الأصولي أو العلمانيين في ديموغرافيا الدول الإسلامية، ستجد أرقاما مفاجأة في قطر عن بقية الدول. دولة هجين ما بين "السلفية" المتشددة و الليبرالية. و ربما بحسب ما رأيت الدولة الوحيدة التي فيها ماكدونالدز الأمريكي يهتم بالعمارة الإسلامية العربية بداخله… شبابيك أرابيسك داخل ماكدونالدز؟! و أخيرا، قطر "مملكة"، يتم توريثها حاليا بين الآباء و الأبناء. ربع سكانها فقط هم القطريين، ربما أقل، الباقي أجانب. رأيت معسكرات للعمال في الدوحة، ربما يعيشون عصور "العبودية"، ولكن في العموم بعيدا عن "معسكرات العبيد" تلاحظ تقارب عام في مستوى المعيشة… بين الناس. و بكل ذلك نفهم، كيف يمكن لدولة صغيرة جدا جدا جدا جدا، أن يكون لها كل هذا التأثير: الرؤية… الرؤية… الرؤية! ثم استراتيجية لتنفيذ الرؤية عن طريق: مشروع فكري و اقتصادي و سياسي ولو اختلفنا معهم، تستعصي على التبسيط صح؟

Add a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *